الدكتور أسعد الدندشلي

 

 

كل شيء يتغيّر إلاّ نحن!!

 

ليست العبارات التي عنونت فيها هذه المقالة، دعوة للتموضع في مساحات التشاؤم، بقدر ما هي دعوة للقراءة الجدية لما فينا ولما يجري حولنا، ولما يعتمر الصدور والنفوس والعقول من أفكار تغلي في داخلنا في أسرنا، وفي مجتمعاتنا الصغيرة، وفي منطقتنا العربية والإسلامية...

ففي وطأة ما يعيشه العالم الإسلامي والعربي من انقسامات فعلية حادّة...

وفي ظل زحمة التداعيات التي يشهدها الشارع العربي والمتغيرات غير المألوفة في سياق السيرورة المفاجئة والتي لا تقل حدّة عن انقساماتنا، وما نحن فيه من مربعات متعددة الإنفصامات في شخصيتنا، وهويتنا العربية والإسلامية، التي تزداد فيها مشاعرنا بمدى الفروقات والتناقضات التي تفصلنا عن بعض من جهة، وعن العالم الكوني من جهة ثانية، وذلك عندما نخرج من حالة لا وعينا اليومي إلى وعي إنساني جمعي أكثر شمولية وأعمق اتساعا وأوفر تنوّعا... حيث تنكشف مدى تفسخ نزعاتنا ورغباتنا وأهوائنا لما يضمره المذهبي للمذهبي الآخر، والقطري للقطري الآخر، لأن اشكال التوحيد، ولأن كل مصطلحات الوحدة والقومية سقطت في مستنقع ذواتنا المتناثرة التي نمت كالطحالب العديمة الفائدة على وقائع مريرة، مشبعة بالدم والحقد والكراهية!

لذا لا نستغرب البتة، ولا يحفزنا إطلاقا أن نجد أن غيرنا من شعوب اليابسة قد حوّلوا التناقض فيما بينهم إلى مواطنية سليمة، والكثرة والقلّة في أوطانهم إلى ديمقراطية، وأنهم صاغوا المعتقدات وتعدد المشارب إلى اجتهادات حضارية، وخرجوا من تنابذ الأفكار وتضاربها إلى منتج إنساني تتحكم فيه مقدرتهم الإنسانية في أن الإنسانية: هي حاضنهم الأكبر، وهي ملاذهم الأكثر: واقعية وصدقا في تعاونهم وتجاذبهم وتخاطبهم...

ولا يضرّنا أبدا أن ندرك عمق مأساتنا في مجتمعاتنا:اننا لم نحقق عدالة عمر، ولم نصل إلى مستوى الكفاحية والإصلاح الحسيني!

ولا يهمّ أبدا إن أخطأنا في وجهة الركب الإنساني لننطلق من محطة الحاضر، لننتقل في قطار المستقبل البشري الذي تعجّ قاطراته  بما يحمله من الشعوب المتعددة الأجناس والأعراق  لبناء غدها...

نحن عقدنا العزم على أن نراوح في مكاننا لا نبرح حدود موروثنا من الفهم والوعي والتقليد، فأهلكنا الوهم بما حملناه من محصلات الثقافة والإيمان الذي ألبسناه قناعاتنا الواهية، وجلببناه بالعقائدية اليابسة، وبشتى النظم والدساتير القبلية، وفي أحسن الأحوال عملنا على أن يصطبغ ببعض الألوان المفرحة بعض الشيء لنضفي حداثة على تليدنا البالي الذي يعشعش فينا، ويغذي موروثات لا نحب أن نفقدها، لأن عقولنا تحجّرت في سراديبها، فأطبقت علينا وأغلقت النوافذ والأبواب على كل جديد...

ومن هنا نخاف الجديد! نخاف الضوء! نخاف الفكر! نخاف تصحيح المسار! نخاف الحركة ووقع الأقدام الصاخبة!

وعليه فإن دائرتنا العائلية، تبقى الأسلم، ودائرتنا المناطقية، تبقى الأكثر أمانا، ومساحتنا القطرية تبقى الأكثر رغدا في العيش، فدخلنا في قطرية خانقة...

ومن ثم رأينا أن مذهبيتنا الدينية، أكثر منجاة وأقرب السبل إلى الله، ونسينا الدين المصدر، وتغافلنا عن عمق الإله الواحد الملهم!

وحرصنا حتى في الدين أن نكون نحن أو لا دين آخر!

وعزمنا في الحزب أن نبقى نحن في السدّة، إذ لا نعترف بالأحزاب الأخرى!

وكذلك نحن في المعتقد والتيار! في البيت، في العمل، في المقهى، في الشارع، عند البقال!

كل منا خلية كونية، هي الوطن، والمذهب والدين والعقيدة، هي الفكر السامي الذي لا يمكن لفكر آخر أن يتسامى إلى مرتبته وقدرته الإستثنائية!

كل منا هو الأذكى! والعالم خاوٍ من أذكياء أخر!

كل منا هو الأفضل، بل وهو أفضل الأفضل، لذلك لم نستطع أن نحمل حتى من هم الأقرب إلينا من أبناء ملتنا، من أبناء شيعتنا، من أبناء عقيدتنا، من أبناء ديننا، من أبناء منطقتنا، فكيف يمكن والحال هذا! أن نحتمل شخصا آخر من قطر آخر، كائن من كان من وطن آخر!

كيف يمكن أن نعترف في نهاية الأمر بأن هناك إنسان آخر!

ولأننا نتقنّع في الموروث، العين تنقل شكل الواقع المرئي، لكن العقل الموروث يترجم المسائل حسب ما تكدّس في أدمغتنا من ذاك المنتج المدفون في طيات خلايانا... وعليه فإن أمريكا هي التي يجب أن تتغير... وليس نحن! ولو كنا قلة ! ولو كنا جالية صغيرة! يجب أن نسبغ قناعتنا، أن نسكب جهلنا في وعاء معرفتهم، أن نمشي هنا، أن نمارس أشياءنا، أن نكرر على مسامعهم حروف ابجديتنا، نحن نغدق عليهم بوجودنا كل الفخر، نحن العلم وهم الجهل!

وعلى أمريكا أن تتغير، أن تتحول... لا نحن! وعليها  أن تصير كما نحن! لأننا نحن الحقيقة... وكل ما هو خارج موروثنا، هو زائف وهو الوهم!

نحن! ما نحن!! كل شيء يتغير إلا نحن...! يا للهول!!!

إن الاختلافات الفكرية والإستراتيجية والإيديولوجية فيما ب