|
الدكتور أسعد الدندشلي
في عيد المرأة العالمي... تحية!
ولا تجزعي سيدتي من عبارتي تلك، فليس كل الرجال في المقابل رجال! تحية لكِ أيتها المرأة! لأن لعيدك ميزة وسحر ونضال لا تعرفه كل انثى، وإن كانت تحمل شيئا من صفاتك! إذا كان لكل عيده، من عيد الأم إلى عيد الأب إلى عيد الطفل، إلى الأعياد الدينية والوطنية، والأعياد كثر في هذا الزمان! فإن عيد المرأة هو عيد يتضمن خلاصة الأعياد جميعها، ويشملها بل ويختزلها كلها، لأنها المرأة، والمرأة هي: الحياة بمختلف أطوارها هي: المدّ الإنساني، والهوية الوطنية، وهي: العمق القومي لأي شعب من شعوب الأرض لأنها أمّ الأمة في المحصلة النهائية! هي أم كل شيء، لأنها الخصب، وأم الجميع ولا استثناءات في هذا المجال تذكر! هي الركن والصومعة والمحراب المقدس لأي مذهب أو عقيدة، هي حاملة البسمة في كل اتجاه، وهي الدمعة الأشد حرقة وألم في كل نائبة، وهي صانعة الرجال، و-إن استعلى عليها الرجال- في العديد من مجتمعات المعمورة، وهي الولادة لإرادة الحياة، وفعل الصمود والشهادة، هي الصبر على العوز والجوع والقهر، هي الوجه الذي لا ينسى كبوات الدهر وانكسارات الأحداث، وعواصف الأرزاء، وانحناءات المظلوم أمام الظالم، وهي الصحوة المرتدة من كل هذا وذاك، على المستبد الحاقد، من جسدها ينبلج الصبح جيلا قادما، يترجل منه الرجال والنساء كشلالات الضوء الواعد، منها يطلع التاريخ، ومنها ينولد الصبح علما واختراعا، ونبراسا وكتابا واكتشافا وفرضيات وبحث ودفق خير وبيادر حب وعطاء، وفي حضنها تنمو الفوارس، ومن رحاب صدرها تنمو بطولات وآساطير، كما من بين أناملها ينسكب الغار تيجان نصر، وحكايا صمود، واستمرار شعب يعجز الفناء على قهره... وما دامت المرأة حياة، فالحياة تخفق في كل كائن... ليس في إكرامك في عيدك منّة أو فضل من أحد عليك، سواء كان النظام الحاكم، أو الرجل السيد المطلق الصلاحيات، أو الناهي الآمر في بيتكِ، أو المجتمع البائد بأعرافه وتقاليده، الممزق الأفكار الغارق في جهالته المرمي خلف حضارات الشعوب المتحفزة للتقدم والإزدهار... في سياج دول الفقر والجوع الفكري حيث تدحرجت أرقامه مع الأسف إلى المرتبات الخلفية، من مجتمع دول عالم ثالث إلى رابع وربما إن استمر الحال سيصل به الأمر إلى مرتبة الحضيض في تلك السلسلة، لكنه لم يفكر قط في الرقم الأول أو المرتبة الثانية، لأنه في الأساس أحكم طوق تلك السلسلة المشؤومة الأرقام خلف عنقكِ! لكنك تبقين يا امرأة... امرأة تضج بالحياة رغم كل القيود والهوان وأشكال العنف والقهر والتسلط... تبقين يا امرأة ... امرأة فلسطينية الهوى، تعلو على الظلم، تجيد صدّ العدوان والتضحية بالذات وبفلذات الكبد، تقدمين قطع الحجارة المنتفضة في راحتيك، لتكون رفضا وحربا ودرسا لبنيكِ على العدوان... تحية في عيدك لروح أول شهيدة فلسطينية شادية أبو غزالة، والشهيدة دلال المغربي، ولتمتد من بعدها القائمة لتطول العديد من شهيدات مواجهات الإحتلال في انتفاضة الأقصى 2000... وكما في الشهادة فهناك من كن أعلام في سفر النضال الوطني الفلسطيني، حيث المناضلة ليلى خالد التي كانت وما زالت واحدة من تلك الرموز، تحية في عيدك للأسرى الفلسطينيات في زنزنات إسرائيل تحت مرآى الضمير والوجدان العالمي والأخلاقي والحضاري حيث لمرأة الفلسطينية تدفع يوميا ثمناً باهظاً، ومنذ بداية عام 1967 حيث دخلت سجون الاحتلال أكثر من 10.000 امرأة وفتاة فلسطينية، ومنذ بداية انتفاضة الأقصى بلغ مجموع ما دخل سجون الاحتلال من نساء فلسطينيات هو 800. يعشن مرارة الأسر ويعانين شتى أشكال وصنوف التعذيب الجسدي والنفسي بحقهن من عزل في زنازين وأقسام خاصة، وحتى الزج بهن في أقسام المعتقلات الجنائيات اليهوديات حيث يتعرضن إلى الحرمان من أبسط متطلبات ومقومات الحياة: من الغرف الضيقة والشديدة الرطوبة والقليلة التهوية، إلى منع إدخال الكتب والأغراض الخاصة من ملابس وغيرها، والحرمان من زيارة الأهل ولفترات طويلة، أو الالتقاء بالمحامين، والقمع والتفتيشات العارية والمذلة، وانتهاك خصوصيات الأسيرات، ناهيك عن عمليات التفتيش والدهم المستمرة من قبل وحدة "نحشون" وحدة قمع السجون لغرف المعتقلات، والاعتداء في أحيان كثيرة عليهن جسدياً ولفظياً... تحية للمرأة اللبنانية التي قاومت الرعب والخوف الطائفي والمذهبي على مدى أجيال من الحرب الأهلية اللبنانية، وتحية خاصة للمرأة العاملية القلب التي قدمت الشهيد تلو الشهيد في مواجهة الإعتداءات الإسرائيلية وما تزال مستعدة لتقديم المزيد من أجل السيادة والكرامة الوطنية الحقة! تحية لها وفي أحشائها يخفق العنفوان الوطني، ولتلتقي مع شقيقتها على أرض فلسطين في أبهى تجليات العمق الأخوي الكفاحي! تحية للمرأة العراقية في وقوفها في وجه أعنف وأبشع موجة عنف بربرية إرهابية تحية للمرأة العراقية ولتلك التي ترملت وثكلت وحزنت ولكنها صمدت، واستمرت تهب الحياة مصرة على أن تبني العراق الجديد مهما أيا كان الثمن، تحية لها، يوم سارعت رغم كل أشكال التهويل والتخويف لتدلي بصوتها وهي تشارك في زخم كبير في الإنتخابات... تحية للمرأة الأفريقية – الآسيوية – الأمريكية التي ترى أطفالها يموتون بين يديها جوعا وعطشا ومرضا ووباءا وهي تصرّ على أن تقدم وتعطي الحياة للآخرين! رغم أن الآخرين من دول الشمال الغني غير آبهين للجوع والقهر ومشاعر الحزن والتشرد في ليالي أفريقيا وآسيا ودول أمريكا اللاتينية ... تحية لكل امرأة تكتشف في ذاتها عمقها الإنثوي الحياتي... وتلامس جوهري الحقيقي في البناء والعطاء وعمليات الخلق والإبداع... تحية لتلك المرأة التي تطل علينا هذا العام من خلف ستار يطوي قرن من الزمان، مائة عام – 1910- تلك المرأة السيدة "كلارا زتكن" التي ما يزال صوتها يضج في مساحات واسعة من الأرض وترددها مئات المجتمعات ... لتقول وتجدد وتؤكد وتثبت عيد المرآة العالمي كعيد يبقى مستمرا ما دامت المرأة هي الحياة وهي العطاء وهي أمل البشرية جمعاء...
|