الدكتور أسعد الدندشلي

 إفتتاحية العدد

 

إسرائيل تستنبش الأرض والآثار لتأكيد هويتها في الوعد الإلهي 


البحث والتنقيب الإسرائيلي المضني عن هيكل "سليمان" ما يزال جارٍ سرّا وعلانية ، والحفريات والأنفاق التي تهدد المسجد الأقصى  بالتداعي، وتطال كنيسة القيامة بالتصدّع، والمصادرة العنيفة لآلاف العقارات السكنية وللأراضي الفلسطينية في أشرس عملية لا تعرف وقفا أو هدنة لدى المسؤولين الإسرائيليين، لأنهم يدركون أنهم في صراع مع الوقت، وفي عراك مع التاريخ، وفي مبارزة حادة مع النسب الضائع، والتراث المفقود، الذي يحتم عليهم هذه المرة جولات أخرى، جولات غير تلك التي رافقت الكيان الإسرائيلي منذ نشوئه، من حروب ومعارك وقتل وتشريد وتدمير وتخريب وتهجيرقسري، طمعا في أن تمتلك إسرائيل في قلب الأم أو الأب الفلسطيني على مدى أجيال بعضا من الإعتراف بها أو بوجودها على أرضهم، فلم تفلح، وإن كانت قد تمكنت من انتزاع فلذات كبدهم على مدى تاريخها المعاصر، واستئصال الأرواح قيصريا في أقسى مجازر عرفها العالم في عصره الحديث، إلا أن تلك الجولات العسكرية التي فشلت في قهر الإنسان الفلسطيني خاصة والمواطن العربي عامة، لم تتمكن من مصادرة إرادته، وإن صادرت الأرض، ولم تنجح في حفر النفق الذي يصل إلى قلبه، وإن نجحت في شق الأنفاق التخريبية تحت الأرض، ولم تثمر انتصارات لها في النفس العربية، وإن ثبتت رايات نصرها على  الهضاب والتلال والسهول في مراحل عدة!

كانت إسرائيل في كل معركة تخطو نحو هدفين استراتيجيين لها في المنظور المرئي، لا يقل الثاني عن الأول أهمية في دائرة الوعي الإسرائيلية لما تهدف إليه في بناء وتعزيز كيانها مذ تبلورت فكرة بناء الدولة الإسرائيلية، الأول عادي وهو تحقيق التفوق العسكري السريع والخاطف على العرب في كل معركة، والثاني انتزاع اعتراف العرب بها أيا كان السبيل إلى ذلك، ومن خلال شروطها، لأنها تدرك أنه لو اعترف كل العالم بها، ولم يعترف العربي الفلسطيني والعربي عامة في مختلف أقطاره  بمصداقيتها، فإنها ستبقى دولة مغتصبة ومحتلة وأنها تعيش بالقوة والسيطرة، ومع زوال عامل القوة فإن مستقبلها سيبقى مهددا أيضا كما هي تجيد التهديد والترهيب!

على كل  فإن استراتيجية إسرائيل اليوم تعمد حريصة على أن يكون إلى جانب العامل العسكري عامل آخر لا يقل خطورة عن الأول إن أردنا حقا أن نلم بما هي إسرائيل مقدمة عليه في المستقبل، وفي المستقبل القريب، لجهة إعلان كيانها كدولة يهودية، ولا بد لها لتكون كذلك من أن تخرج هيكل سليمان من تحت الأرض، وتطفو به إلى السطح ولو أزالت كل الأقصى، والكنيسة،  فهي الآن تخوض حربا مع ذاتها ومع الآخرين من خصومها من شتى الإتجاهات لإثبات الهوية العبرية في أحشاء الأرض الفلسطينية، وتثبيتها، لتدعيم كيان الدولة اليهودية الواعدة، شاء العرب أم لم يشاؤوا، وقبل العالم أم لم يقبل! ورضي محبو السلام أم كرهوا!

ولعل ما نطق به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بصيغة  قرار  أبلغه لحكومته يوم الأحد الموافق 21 فبراير بضم الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل ومسجد بلال بن رباح في مدينة بيت لحم إلى قائمة المواقع الأثرية الإسرائيلية، و ما رافق القرار من عبارات من عيارات مختلفة هذه المرة قائلا:

" إن الموقعين مهمان لإسرائيل لأنهما يبينان ارتباطها بالأرض، وجودنا هنا لا يعتمد فقط على قوتنا العسكرية والاقتصادية وتطورنا التكنولوجي، بل جذوره راسخة في الإرث القومي والعاطفي".

إذن تصحو إسرائيل اليوم على ضرورة أن تكون ضاربة الجذور في التاريخ، وفي العادات وفي الإرث وفي التقليد، فقد سعت مرارا وجهدت لتؤكد فيما سبق أن "الفلافل والمجدرة" حتى! هي أكلة عبرية إسرائيلية وليست فلسطينية ليس حبا بالفلافل والمجدرة كما يظن! وإنما لتؤكد منبت وأصالة شعبيتها في المنطقة!

وقرار بنيامين اليوم يؤكد مدى الإصرار والحرص الإسرائيلي على انتزاع كل ما من شأنه أن يثبت معنويا ونفسيا حالة العبري التراثي المقيم والقائم في باطن الأرض وعلى سطحها، لقد حاول الإسرائيلي – العبري مذ أن وفد إلى فلسطين أن يتلبس قناعا يخفي فيه حقيقة ضياعه،  فيما العربي الذي يمتلك الوثائق والأدلة الدامغة، ممهورة بدماء أبائه وأجداده  واليوم بدمه وبدم بناته وأولاده قد كتبت وتكتب التاريخ وخضتب وتخضب الصخور والوديان في أرض فلسطين بات عاجزا عن  أن يقنع الضمير العالمي بالحقيقة حقيقة هويته الأصيلة،  أضف إلى ذلك أسوأ السيء المتمثل في حالة العربي الرسمي الذي يرى كل ذلك، ويكتفي بأفضل ما عنده من تصدي على ما تقوم به إسرائيل من خلال بيان استنكار وشجب وإدانة، وربما شكوى مبحوحة الصوت تضيع، ثم يًتبعها في محافل دولية أخرى ربما تبريرات وربما اعتذارات... فمنطق الأقوى يقتضي بالضرورة بقاء الشعب الفلسطيني أعزلا، مستضعفا وهو يواجه أشرس القوى الضاربة في العصر طغيانا، وأن عليه اليوم أن يواجه أحقر عملية تزييف للتاريخ تطال الآن الإنسان نفسه، وعليها أن تبيّض الوقائع لصالح العبري القادم إلى أرض فلسطين حاملا على منكبيه حقد العصور وعقد التشرد وكراهية السلام، وعدوانية الآخر! يريد أن يؤكد فلسطينيته في الأرض الفلسطيينة، وليس عبريته في حقيقة الأمر! وفيما العربي الرسمي يتنكر ويغفل عن أخطر حقيقة تواجهه اليوم لأنها تهدف في المحصلة إلى مسح الهوية والكيان، وطمس الحق.

وللتذكير فقط نشير إلى أن  مسجد بلال المعروف أيضا بـ "قبر راحيل" في بيت لحم والحرم الإبراهيمي في الخليل هما موقعان موجودان في أراضي الضفة الغربية التي احتلتها إسرائيل عام 1967 ولكن الجدار الفاصل الذي بنته إسرائيل اتخذ مسارا جعل قبر راحيل وهو موقع مقدس عند المسلمين واليهود والمسيحيين في الناحية الإسرائيلية منه، الأمر الذي يؤكد أن إسرائيل تسارع الخطى لاستكمال مخطط تهويد ما تبقى من فلسطين التاريخية تمهيدا لإعلانها "دولة يهودية " ولعل هذا ما تأكد أيضا في استمرار تنفيذ الحفريات الواسعة في القدس المحتلة بين باب الساهرة وباب العمود الذي يعتبر المنفذ الرئيسي للبلدة القديمة للقدس المحتلة والمحور الاستراتيجي للمسجد الأقصى. لتحقق أسطورة حلم شعب الله المختار في أرض الميعاد، باعتباره وعدا إلهيا قطعه الرب لبني إسرائيل!